واحة التواصل والإبداع


منتديا ت واحة التواصل والإبداع
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 اليات التأويل والاستدلال في الخطاب الأصولي

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الرقبي رضوان
عضو جديد
avatar

عدد المساهمات : 26
نقاط : 68
تاريخ التسجيل : 30/01/2011

مُساهمةموضوع: اليات التأويل والاستدلال في الخطاب الأصولي   الجمعة فبراير 18, 2011 12:44 pm

اليات التأويل والاستدلال في الخطاب الأصولي
رضوان الرقبي

ظاهرة التأويل من الظواهر اللغوية التي لها أهميتها في تاريخ الفكر العربي الإسلامي، بل وتاريخ الفكر الديني منذ أن حاول الناس تفهم الكتب السماوية، وقد كان لهذه الظاهرة دورها البالغ في كل البيئات الإسلامية على اختلاف مقوماتها في الفكر والثقافة، وذلك لارتباطها أساسا بالدلالة الأسلوبية، ومحاولة التوصل إلى الغاية المقصودة.
1- مفهوم التأويل:
وردت كلمة تأويل في القرآن الكريم سبعة عشر مرة مرادا بها المعاني التالية:
1- التأويل بمعنى تعبير الرؤيا:
2- بيـان سبب إيقـــاع الفعـل
3- الـرجـوع إلى الـموئـل الحـق
4- تفسـيـر المتشـابـه
5- التفسير - بيان المعنى
ومتى تأملنا في هذه المعاني التي استعمل فيها القرآن الكريم كلمة تأويل، فإننا سنراها تلتقي عند صفة أو حال واحدة، اتصف بها كل واحد من هذه المعاني المذكورة، تشكل عنصرا أساسيا في دلالة كلمة تأويل على معناها، تلك الصفة هي الغموض الذي يدل على عدم وضوح المعنى عند المتلقي، بما يفتقر معه إلى الإيضاح.
وجاء في اللسان: آل الشيء يؤول أولا ومالا: رجع وأول إليه الشيء رجعه ،والت عن الشيء ارتددت . وفي الحديث " من صام الدهر فلا صام و لا آل " أي لا رجع إلى خير و يقال طبخت النبيذ حتى آل إلى الثلث أو الربع أي رجع .
وأول الكلام وتأوله: دبره وقدره، وأوله وتأوله: فسره... والتأويل المرجع و المصير، مأخوذ من آل يؤول إلى كذا أي صار إليه، وأولته صيرته إليه، قال الجوهري: التأويل تفسير ما يؤول إليه الشيء، وقد أولته تأويلا وتأولته بمعنى . ومنه قول الأعشى :
عَلى أنَّهَا كَانَتْ تـُأوِلُ حُبهَــا تَأولَ رِبْعِي السِّقابِ فَأصْبَحَـا
قال أبو عبيدة :" تأول حبها أي تفسره ومرجعه، أي أن حبها كان صغيرا في قلبه فلم يزل يثبت حتى اصحب، فصار قديما كهذا السقب الصغير لم يزل يشب حتى صار كبيرا مثل أمه وصار له ابن يصحبه . وعرفه الليث فقال:" التأول والتأويل : تفسير الكلام الذي تختلف معانيه، ولا يصح إلا ببيان غير لفظه " و التأويل المراد منه حقيقة المعنى الذي يؤول اللفظ إليه، وهي الحقيقة الموجودة في الخارج ، يقول ابن القيم :"الكلام نوعان خبر وطلب ، فتأويل الخبر هو الحقيقة وتأويل الوعد والوعيد هو نفس الموعود و المتوعد به ، وتأويل ما أخبر الله به من صفاته العلى وأفعاله نفس ما هو عليه سبحانه ، وما هو موصوف به من الصفات العلى، وتأويل الأمر هو نفس الأفعال المأمور بها، قالت عائشة رضي الله عنها " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك" يتأول القرآن، فهذا التأويل هو فعل نفس المأمور"
وقد حاول أبو هلال العسكري التمييز بين معنيي التفسير والتأويل، فذهب إلى أن التفسير هو الإخبار عن أفراد أحاد الجملة، والتأويل الإخبار بمعنى الكلام... وقيل التأويل استخراج معنى الكلام لا على ظاهره، بل على وجه يحتمل مجازا أو حقيقة، ومنه تأويل المتشابه... وقال تعالى: " وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم" ولم يقل تفسيره، لأنه أراد ما يؤول من المتشابه إلى المحكم". ولم يقرر الزمخشري إلا بعض هذا المعنى حين ذهب إلى انه يقال " أول القرآن وتأوله، وهذا متأول حسن، لطيف التأويل جدا، ثم يستشهد ببيتين من الشعر يعزوهما إلى عبد الله بن رواحة؛ البيت الشاهد منها:
نَحْنُ ضَربْنَاكُم عَلى تَنْزِيلِهِ فَاليومَ نَضْرِبُكُم عَلى تَأوِيلِهِ
والتأويل حيث يعدل عن ظاهر اللفظ إلى سواه ينشعب، فيما رأينا من الاستعمالات التي ذكرت في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والمعاجم العربية إلى ثلاث شعب:
-التــأويـل بمعـنــى الـتـفسيــر:
حيث يراد من اللفظ غير ظاهره، لقرينة شرعية أو عقلية قامت تفيد ذلك، ويمثل له بقوله تعالـى " يخرج الحي من الميت " قال الجرجاني: " التأويل في الشرع هو صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى يحتمله،إذا كان المحتمل الذي يراه موافقا للكتاب والسنة مثل قوله تعالى " يخرج الحي من الميت " إن أراد به إخراج الطير من البيضة كان تفسيرا، وإن أراد به إخراج المؤمن من الكافر أو العالم من الجاهل كان تأويلا".
- التأويل بمعنى العدول باللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى آخر لا دليل عليه:
يقول المعجم الكبير " وأول الكلام: فسره " وأوال: عدل بألفاظه عن نهجها المستقيم دون دليل وبه فسر قوله تعالى: ( فَأما الذين في قُلوبِهم زَيغٌ فَيتبعُونَ مَا تَشابَه مِنْهُ ابتِغاءَ الفِتنَةِ وَابتِغَاءَ تَأوِيلهِ) واليه قصد علي بن أبي طالب رضي الله عنه حيث قال "ولكنا إنما أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام، على ما دخل من الزيغ والاعوجاج والشبهة والتأويل". ويبين ابن السبكي الفرق بين التأويل الصحيح والتأويل الفاسد فيقول: "التأويل حمل الظاهر على المحتمل المرجوح، فان حمل عليه لدليل فصحيح، أو لما يظن دليلا وليس بدليل في الواقع ففاسد، أولا شيء فلعب لا تأويل. "
ومن هنا فالتأويل الصحيح محتاج إلى دليل، وعلى هذا فالمتأول مطالب بأمرين: الأمر الأول :أن يبين احتمال اللفظ للمعنى الذي حمله عليه وادعى انه المراد. والأمر الثاني :أن يبين الدليل الذي أوجب صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معناه المرجوح، وإلا كان تأويلا فاسدا وتلاعبا بالنصوص .
- التأويل بمعنى التبرير :
"وهو-أي التبرير- ظاهرة نفسية يلجأ إليه الإنسان لتصويب فكر خاطئ أو تصحيح سلوك مغلوط، ومن هنا نظريتا الجبر والتفويض، وما أول لهما من آيات قرآنية وأحاديث نبوية شريفة ." ومنه ما أشار إليه الإمام علي في أحد كتبه إلى معاوية بن أبي سفيان بقوله" فعدوت على الدنيا بتأويل القرآن" .
وعلى العموم فهذه مقاربة لمفهوم التأويل، وهي مقاربة تلمح إلى مفهومه الاصطلاحي الوظيفي، الذي يمكن أن نبسطه بالقول، بأن التأويل هو فن تفسير النصوص المبهمة، لكنه يظل مفهوما بسيطا لا يحمل المعاني والمضامين التي تغذى بها المفهوم طيلة مسيرته التاريخية، منذ أن كان آلية لتفسير النص الديني، إلى أن أصبح آلية لتفسير النصوص الإنسانية، بما فيها النصوص الأدبية.
2- التأويل والاجتهاد
التأويل ضرب من ضروب الاجتهاد، وذلك بصرف اللفظ إلى ما يؤول إليه، يقول الزركشي: " والرابع ما يرجع إلى اجتهاد العلماء وهو الذي يغلب عليه إطلاق التأويل وهو صرف اللفظ إلى ما يؤول إليه، فالمفسر ناقل والمؤول مستنبط."17 فالألفاظ تخضع لعملية التفسير في ألفاظها، بينما تخضع لعملية التأويل في معانيها، وقد اهتم بهذه الظاهرة كثيرا الأصوليون، انطلاقا من تعاملهم مع النص القرآني الذي يقتضي في بعض الأحوال " صرف الآية إلى معنى موافق لما قبلها وما بعدها غير مخالف للكتاب والسنة "18 من أجل استنباط الأحكام، فمجال التأويل يبدو محصورا " في صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى يحتمله موافقا للكتاب والسنة."19 وهو حمل " الظاهر على المحتمل المرجوح، فان حمل عليه لدليل فصحيح، أو لما يظن دليلا وليس بدليل في الواقع ففاسد، ولا شيء فلعب لا تأويل."20
وعلى هذا الأساس يكون التأويل الصحيح محتاجا إلى دليل يحتمل صرف اللفظ عن معناه الظاهر، وعليه فالمتأول مطالب بأمرين:الأول: أن يبين احتمال اللفظ للمعنى الذي حمله عليه وادعى انه المراد، والثاني: أن يبين الدليل الذي أوجب صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معناه المرجوح و إلا كان تأويلا فاسدا. " فالمؤول للمعاني يتعامل مع مجموعة تراتبية من المعاني القريبة والبعيدة لاستنباط المرجع الموافق للدليل."21 فمتى أمكنه حمل الشيء على ظاهره كان أولى " إذ العدول عن الظاهر إلى غير الظاهر إنما يمكن لمرجع."22
فإذا كان التأويل آلية من آليات الفهم واستنباط الأحكام، وضبط المعاني المرجوحة فإن الحفاظ على سلامة الخطاب يقتضي أن يكون الدليل قويا في صرف الكلام عن الظاهر، حتى لا يكون التأويل فاسدا، أو يكون تعارضا، وذلك عندما يستوي المؤول وما قوي التأويل به. وعلى هذا الأساس نجد التأويل باعتباره آلية استدلالية لغوية يتعامل مع معاني النص من خلال مستويين:
1- انفتاح النص واحتماله اكثر من معنى:
إن العلاقة " الباطنية بين الدال والمدلول وما يعرف بالمرجع يدفع إلى تصور يقوم على التأويل بسبب التصارع الداخلي بين قدرة الأداء، وقدرة الكلمات، حيث يكون المضمر أو السكوت عنه له حضور داخل النص، لهذا تكون هذه المرحلة بالنسبة للمؤول أو المفسر مرحلة مد التأمل في المعاني والمقارنات الترجيحية التي يستعمل فيها الإجراءات الاستدلالية والمنطقية، وجميع القرائن التي يسعى من خلاله إلى إغلاق النص المفتوح دلاليا، وذاك بسبر دلالاته الممكنة وحصرها، وتسمى هذه المرحلة أيضا بمرحلة الملاحظة، والنظر في الشاهد قبل تفسيره".23
ومن هنا فالمتلقي للخطاب تتواتر عليه معاني متعددة ومنفتحة بقدر درجة انفتاح النص، فالمعاني الموجودة في الكلام مرتبطة ارتباطا وثيقا بالسياق العام للنص، وبالمجال التداولي له، وبإرادة المتكلم، وقد ضرب الأستاذ أحمد كروم مثالا لهذه المرحلة التأويلية في انفتاح النص دلاليا واحتماله أكثر من دلالة، بالمثال التالي: " يقول تعالى:  وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى24 قائلا : " فنحن نجد في المثال القرآني التركيبة التالية :
كل يجري إلى أجل
لفظ العموم الفعل الرابط المحل
فالناظر المؤول للمثال القرآني يعمد إلى تحديد الربط الايصالي بين " يجري " و " اجل مسمى " وفق المقرنة والأقيسة. فيتحقق ما يأتي:
* مقايسة المثال بالمثال
" يجري إلى أجل مسمى " - " يجري لأجل مسمى "25
* مقارنة الغرض الملائم لمعنى الحرف الرابط
إلى / اللام
التوجيه : إلى الانتهاء
اللام للاختصاص
التأويل : " يجري إلى أجل مسمى " : يبلغه وينتهي إليه
" يجري لأجل مسمى " : الجري مختص بادراك أجل معين.
فيكون توجيه معنى الحرف متحكما في تقييد النص وتأويله بمعناه، وان كل واحد من معنى الحرفين صالح ملائم لصحة الغرض"26
2- غموض النص وخفاء مفاهيمه :
اهتم القدامى في مادة النصوص وتحليلها بظاهرة الالتباس في معاني الألفاظ، مستعملين في ذلك طرق البحث والتأمل في تحديد ماهية المعنى المختص بأداء اللفظ حتى غدت لبعضهم نماذج خاصة في تحليل المعاني وتأويلها واستقرائها، مثل الزمخشري. فقد تناول الأصوليون ظاهرة الالتباس والخفاء، أو ما يعرف في الدراسات الحديثة بالالتباس، وهو كون الجملة يحتمل معناها أكثر من معنى ودلالة.
إن إبهام " العلاقات اللغوية يظهر من خلال أشياء بعضها له ارتباط مباشر بالنحو، وبعضها ليس له ذلك الارتباط المباشر عند بعضهم، ذلك أن صاحب النص أحيانا يعدل عن قاعدة نحوية معينة فيكون هذا العدول أو الانحراف سببا أو مظهرا لإبهام علاقة لغوية ما في النص، وأحيانا ينحرف عن طريق تركيب تعبيري مألوفة أو عن طريق توظيف لعناصر شكلية أو دلالية مقتادة، فيكون الانحراف أيضا سببا للانحراف العلائقي اللغوي ومظهرا له في الوقت نفسه."27
ولأهمية ظاهرة اللبس في معاني الألفاظ اللغوية، لخص ابن هشام الوجوه التي ينبغي أن يفهم منها المعنى ويؤول، كما نبه على أمور اشتبهت بين المعربين والصواب خلافها. كما ناقش الاعتراض الذي يخالف به المعرب هذه القوانين التي عرضها في باب المنصوبات المتشابهة، وذكر ظواهر قابلة للاحتمال.28
3- التأويل والاستدلال :
تحدث الأصوليون عن الاستدلال بما هو آلية من آليات استنباط الأحكام، وعرفوه بأنه " طلب الدليل وإيراده، وقد يراد به الدليل كذلك، فحينما يتعلق الأمر بطلب الدليل، فإن الطلب يقع على فعل السائل، وهو مطالبته المسؤول بإقامة الدليل، ويقع على المسؤول لأنه يطلب الدليل من الاصول"29، وعرفوا الدليل بأنه "هو ما يكون العلم به مستلزما للعلم بالمطلوب، أو ما يكون النظر الصحيح فيه موصلا إلى المطلوب، أو ما يكون النظر الصحيح فيه موصلا إلى علم أو إلى اعتقاد راجح"30.
ولذلك نجد في القران الكريم عدد من الآيات التي تفيد النظر والاستدلال، والدعوة إلى تعميقه للوصول إلى القصد وهو الحقيقة والإقناع، بل هو شرط واجب على العاقل البالغ القصد إليه. منها قوله تعالى: (فَاعْتَبِروا يَا أُولِي الأبْصَارِ) وقوله تعالى( أو لَم يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاواتِ وَالأرضِ وَمَا خَلَقَ اللهُ مِن شَيء) .
فإيراد الدليل يستوجب ذكر النص أما عندما يتعلق الأمر بالدليل، فالنص يعتبر دليلا شرعيا عقليا كان أم نقليا، ومنه" فالاستدلال عملية عقلية ينتقل فيها الفكر من أشياء مسلم بصحتها إلى أشياء أخرى ناتجة عنها بالضرورة وتكون جديدة عن الأولى، وقد يكون الاستدلال استنتاجيا، ويسمى استنباطا أو استقرائيا ويسمى استقراء أو يسمى الاستدلال من مقدمة واحدة، استدلالا مباشرا ومن مقدمتين استدلالا قياسيا" .
ويطلق الاستدلال كذلك في العرف على إقامة الدليل مطلقا من نص أو إجماع أو غيرهما، وعلى نوع خاص من الدليل، وقيل في عرف أهل العلم تقدير الدليل لاتباث المدلول، سواء كان ذلك من الأثر إلى المؤثر أو بالعكس .
ويلاحظ أن هذا التعريف أعلاه مطابق للمعنى اللغوي الذي يجعل الدليل بمعنى المرشد والهادي. ويجعل ابن تيمية الضابط لكون الدليل دليلا هو استلزامه للمدلول عليه، ثم ينظر في قوة اللزوم بينهما، فان كان قطعيا اعتبر الدليل قطعيا، وان كان ظاهرا مع جواز تخلفه أحيانا اعتبر الدليل ظنيا، وكون الدليل مقيدا للعلم بالمدلول لدى المستدل يحتاج إلى أمرين: أولا: صحة النظر فيه. ثانيا:إفادة الدليل العلم بنفسه.
فالناظر في الدليل يشترط فيه أن يكون صحيح النظر، إذ وجود المانع الصارف عن الحق تنتفي معه الاستفادة من الدليل. فالناظر في الدليل بمنزلة المترائي للهلال قد يراه وقد لا يراه لغشي في بصره وكذلك أعمى القلب."31 "ويقسم ابن تيمية النظر"32 "بما هو آلة من آليات استنباط الأحكام إلى قسمين:
 النظر الاستدلالي: وهو نظر في الدليل، فإذا تصوره وتصور استلزامه للحكم على الحكم كالذي ينظر في القرآن والحديث فيعلم الحكم، فهذا لا ينافي العلم بل يوجبه.
 النظر الطلبي: وهو نظر المطلوب حكمه، وهذا قد يحصل معه العلم وقد لا يحصل، لأنه قد يظفر بدليل يدله على الحكم وقد لا يظفر، كمن ينظر في المسألة لينال دليلها من القرآن والحديث.33
إن النصوص التي تعتبر أدلة شرعية منها ما هو نقلي، ومنها ما هو عقلي. والاستدلال هو دليل عقلي. فهو عبارة عن دليل لا يكون نصا ولا إجماعا ولا قياسا،34 وهذه القسمة للأدلة الشرعية التي قسمها الأصوليون، صالحة بالنسبة لأصول الأدلة، وإلا فكل ضرب من هذين الضربين محتاج للآخر، لأن الاستدلال بالمنقولات لا بد فيه من النظر، كما أن الرأي لا يعتبر شرعا إلا إذا استند إلى النقل،35 فأما الضرب الأول فالكتاب والسنة، وأما الثاني فالقياس والاستدلال، ويلحق بكل واحد منهما وجوه، إما باتفاق و إما باختلاف، فيلحق بالضرب الأول الإجماع على أي وجه قيل ومذهب الصحابي وشرع من قبلنا، لأن ذلك كله وما في معناه راجع إلى التعبد بأمر منقول صرف النظر فيه لأحد. ويلحق بالضرب الثاني الاستحسان والمصالح المرسلة،إن قلنا أنها راجعة إلى أمر نظري،وقد يرجع إلى الضرب الأول إن شهدنا أنها راجعة إلى العموميات المعنوية.36
فإذا كان الاستدلال وفق التحديد الذي حدده له الأصوليون، هو دليل من الأدلة العقلية التي يشتغل بها المجتهد، فإن هذا النوع من الاجتهاد " يعتبر مناسبة تظهر من خلالها آليات أصولية اجتهادية في استنباط الأحكام وتخريج الفروع من الأصول، ووفق هذا المفهوم يعتبر الاستدلال طريقا موصلا إلى معرفة الأحكام بقواعد عقلية مبنية على براهين وحجج مؤيدة يجتمع فيها المنقول والمعقول، وهذه الطريقة تعتبر من وسائل الإقناع التي تعتمد دراسة الألفاظ الاستدلالية الموصلة إلى القرائن الترجيحية التي تحتاج إليها في ضبط القواعد الأصولية أو اللغوية أو المنطقية.
ونجد هذه الطريقة الاستدلالية واضحة في التدليل على الاعتقاد الحق المعتمد النظر والاستدلال المؤديين إلى معرفة الله عز وجل".37على اعتبار أن العقل الشرعي لا يناقض العقل الاستدلالي، لأن الحق لا يضاد الحق، بل يوافقه كما يقول ابن رشد " وكما انه لا ينبغي أن تتضارب الأدلة القطعية لكل من العقلين فيما بينهما. غير أن هذه الموافقة بين أدلة العقل الشرعي وأدلة العقل الاستدلالي تقتضي التمييز في دليل العقل الاستدلالي بين الدليل الصحيح والدليل غير الصحيح".38
وموضوع الدليل هم أغلب علماء الإسلام من بلاغيين ونحويين وأصوليين... ما دام الاستدلال هو الحقيقة وأصل أصول المنهجية، وما دامت أغلب العلوم الإسلامية لاسيما منها علم الكلام وعلم الأصول وعلم البلاغة، اشتغلت بالمنهجية، إن وصفا أو تحليلا أو بناء، كما انه لابد أن تؤثر هذه العلوم بعضها في بعض، فتنتقل على سبيل المثال أوصاف الدليل من المنطق إلى علم الكلام ثم منها إلى علم الأصول ثم إلى علم البلاغة، فتتلون هذه الأوصاف بلون كل علم من هذه العلوم، ثم تنتقل هذه الأوصاف بألوانها المختلفة من علم إلى آخر... وما هذا وذاك إلا أن التراث الإسلامي العربي ينزع نزعة تكاملية.39
والاستدلال بما يحمله من منهجية في النظر والتفكر، وبما هو آلية من آليات العملية التأويلية المبنية على ضوابط عقلية و نقلية محددة " ينبني على شبكة من العلاقات المعقدة التي تؤسس خطابه فلا يمكن تصور استدلال بدون خطاب يعبر عنه ويناصره، ولا بد له أيضا من الموضوع الملفوظ."40 وإذا كان الاستدلال آلية من آليات الاجتهاد بالرأي في استنباط الأحكام، فهو أيضا منهج مشتق من البحث عن مراد الشارع، كما يعتبر معيارا للبحث فيما فيه نص، وفيما لا نص فيه، وهذا المنهج هو " منهج الغائية في استنباط الأحكام الذي رسمه الأصوليون، أو بعبارة أخرى على أساس المصلحة المعتبرة شرعا."41
فحين يربط الشاطبي الاجتهاد بالصالح العامة للعباد، فهو ينظر نظرة شاملة في تحقيق المقاصد العامة للشريعة الإسلامية التي تنطلق من المنقول لتوافق المعقول، فمن" تتبع مقاصد الشرع في جلب المصالح ودرء المفاسد حصل له من مجموع ذلك اعتقاد إن عرفان، بان هذه المصلحة لا يجوز إهمالها، وان هذه المفسدة لا يجوز قربانها، وان لم يكن في ذلك نص، ولا اجتماع ولا قياس خاص، فان فهم نفس الشرع يوجب ذلك."42
فكل اجتهاد يعتمد على الاستدلال مبني على جلب المصلحة، وهذه الأخيرة يظهر أثرها على مستوى التطبيق الذي يتجسد فيه المعنى أو الخطاب، ومن ذلك يظهر مآل الأفعال التي تتحقق من نتائج مقدمتين تحدث عنهما الشاطبي، سماهما بالمقدمة النظرية والمقدمة النقلية، وهو يقصد بالأولى التي تثبت بالاستدلال والنظر والتدبر، وهي ترجع إلى تحقيق مناط الحكم، ويقصد بالثانية التي ترجع إلى نفس الحكم، مع تأكيده على التداخل بينهما لأن كلا منهما راجع إلى المطالب الشرعية."43
4- قوانين التأويل العربي:
اعتمادا على العقليات القطعية والنقلية المعقولة والمواصفات الملائمة للعقل، اجتهد أبو إسحاق الشاطبي في أن يقدم بعض المبادئ والقواعد والضوابط التأويلية الخاصة بالتأويل العربي الإسلامي، ولعل المبدأ العام الذي ينطلق منه الشاطبي، هو ما يمكن إن نسميه بمراعاة المجال التداولي، وبناء على هذا المبدأ العام الذي يؤطر العملية التأويلية العربية، يمكن أن نفرعه إلى عدة قواعد تكون بمثابة ضوابط لهذه العملية التأويلية، حتى لا تخرج عن جادة الصواب، على الشكل التالي:
1 - قاعدة الخطاب المؤول:
إن النص المؤول في الثقافة الإسلامية ليس على مستوى واحد، و إنما هو ثلاثة أصناف حسب ما ذهب إليه الطبري قائلا: " وأن تأويل جميع القرآن على أوجه ثلاثة :
 أحدها: لا سبيل إلى الوصول إليه، وهو الذي استأثر الله في كتابه أنها كائنة مثل وقت قيام الساعة ووقت نزول عيسى بن مريم ووقت طلوع الشمس من مغربها والنفخ في الصور وما أشبه ذلك.
 والوجه الثاني: ما خص الله بعلم تأويله نبيه صلى الله عليه وسلم دون سائر أمته وهو ما فيه مما بعباده إلى علم تأويله الحاجة، فلا سبيل لهم إلى علم ذلك إلا ببيان الرسول  لهم تأويله.
 والثالث منها: ما كان علمه عند أهل اللسان الذي نزل به القرآن، وذلك علم تأويل عربيته وإعرابه، لا توصل إلى علم ذلك إلا من قبلهم.44
ويقسم ابن عباس رضي الله عنهما التفسير إلى أربعة أوجه: " وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله ".45 وهو في ذلك يستند إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول : " أنزل القرآن على أربعة أوجه : حلال وحرام لا يعذر أحد بالجهالة به، وتفسير تفسره العرب وتفسير تفسره العلماء، ومتشابه لا يعلمه إلا الله، ومن ادعى علمه سوى الله فهو كاذب."46
فالنص المؤول إذن ليس على مستوى واحد، و إنما هو مستويات حسب طبيعة هذا النص. وذا شئنا أن نحصر أوجه تأويل النص في الثقافة الإسلامية، فإنها لن تخرج عن أربعة أوجه كما ذهب إلى ذلك ابن عباس.
• ما يجب تأويله.
• ما لا يجب تأويله.
• ما يميل إلى جانب عدم التأويل.
• ما يميل إلي جانب وجوب التأويل.
فما لا يجب تأويله هي النصوص المتواترة التي لا تحتمل التأويل،47 وكذلك المتشابه الحقيقي الذي هو غير لازم تأويله.48 وأن ما يجب تأويله؛ فما لا يقبل معناه الحرفي كالأساليب التشبيهية والاستعارية، على أن هناك مرتبة وسطا بين هذين الطرفين وهي : ما يلزم تأويله إذا تعين الدليل عليه، مثل المتشابه الإضافي.و ما يميل إلى جانب عدم التأويل، أي ما لا يلزم تأويله مثل المحكم الإضافي.
2 - قاعدة وضع المؤول :
إن وضع المؤول هو أن يكون من السلف، وممن يسير على سنن السلف من الراسخين في العلم وخواص العلماء، لا أن يكون من غير الراسخين في العلم ومن غير خواص العلماء كالظاهرية والباطنية ... وعلى هذا الأساس فان الراسخين في العلم لدى الشاطبي هم من اتبع سلف الأمة واقتدى بهم في أفعاله وأقواله، لانه بمثابة خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم " فإذا بلغ الإنسان مبلغا، فهم عن الشارع فيه قصده في كل مسألة من مسائل الشريعة، وفي كل باب من أبوابها فقد حصل له وصف هو السبب في تنزيله منزلة الخليفة للنبي صلى الله عليه وسلم في التعليم و الفتيا والحكم بما أراد الله."49
فالصفة الحقيقية " التي تؤهل صاحبها لأن ينوب عن غيره ويتكلم باسمه هي أن يكون عارفا خبيرا بمقاصده، على الجملة والتفصيل، وأما ما عدا ذلك فأمور مساعدة فالمجتهد الذي يحكم ويفتي باسم الشارع، لا بد أن يكون عالما تمام العلم بمقاصده العامة وان يكون عالما بمقاصده في المسألة التي يجتهد فيها ويحكم عليها."50
ويعيب الشاطبي على من يرون أنفسهم أهلا للاجتهاد في الدين، فيتجؤون على أحكامه وشريعته حتى لتجد أحدهم " آخذا ببعض جزئياتها في هدم كلياتها، حتى يصير منها إلى ما ظهر له ببادئ رأيه من غير إحاطة بمعانيها، ولا راجع رجوع الافتقار إليها... ويعين على هذا الجهل بمقاصد الشريعة وتوهمه مرتبة الاجتهاد."51
3-قاعدة مراعاة المؤول لمقتضيات الأحوال ومجاري عادات العرب :
لقد خص الشاطبي هذه القاعدة بعناية خاصة، ووضع لها بعض الضوابط التي ينبغي أن يتخذها المؤول الراسخ هادية له، وهي عبارة عن عدة معارف :
*: معرفة لسان العرب مفردات وتراكيب ومعاني: فهذه " الشريعة المباركة عربية لا مدخل فيها للألسن الأعجمية. "52 فالشاطبي لا يريد بهذا التطرق إلى مسألة ما إذا كان في القرآن ألفاظا ذات أصول أعجمية، و إنما " البحث المقصود هنا أن القرآن نزل بلسان العرب على الجملة، فطلب فهمه إنما يكون من هذا الطريق خاصة ... فمن أراد تفهمه فمن جهة لسان العرب يفهم ولا سبيل إلى تطلب فهمه من غير هذه الجهة."53
من هنا يجب أن ينظر إلي العملية التأويلية في ضوء اللغة العربية، باعتبارها بابا أساسيا لولوج عالم النص وفهم أغواره، وعلى ضوء المعهود من أساليب العرب، ومن ذلك أن العرب " في ما فطرت عليه من لسانها تخاطب بالعام يراد به ظاهره وبالعام يراد به العام في وجه والخاص في وجه، وبالعام يراد به الخاص والظاهر يراد به غير الظاهر، وكل ذلك يعرف من أول الكلام أو وسطه أو آخره، وتتكلم بالكلام ينبئ أوله عن آخره، إن آخره عن أوله وتتكلم بالشيء يعرف بالمعنى كما يعرف بالإشارة، وتسمي الشيء الواحد بأسماء كثيرة، والأشياء الكثيرة باسم الواحد، وكل ذلك معروف عندها لا ترتاب في شيء منه هي ولا من تعلق بعلم كلامها، فان كان كذلك فالقرآن في معانيه وأساليبه على هذا الترتيب."54
فالأصوليون يكثرون من التأكيد على أهمية احترام والتزام حدود قواعد اللغة العربية؛ في فهم مقاصد النصوص، ويتعرضون لهذه الفكرة كلما وجدوا لذلك مناسبة لأن " لسان العرب هو المترجم عن مقاصد الشرع." 55 ومن هنا فالشريعة لا يفهمها حق الفهم إلا " من فهم اللغة العربية حق الفهم لانهما سيان في النمط، ما عدا وجوه الإعجاز، فإذا فرضنا مبتدئا في فهم العربية، فهو مبتدئ في فهم الشريعة أو متوسطا فمتوسط في فهم الشريعة ." 56
وهكذا كلما كان المجتهد أمكن في اللغة العربية، كان أقدر على إدراك مقاصد الشرع إدراكا سليما، فإذا كان كذلك صح له أن ينظر في القرآن ويستخرج معانيه ومقاصده على أن يسلك في " الاستنباط والاستدلال به مسلك كلام العرب في تقرير معانيها و منازعها، في أنواع مخاطباتها خاصة. فان كثيرا من الناس يأخذون أدلة القرآن بحسب ما يعطيه العقل منها، لا بحسب ما يفهم من طريق الوضع، وفي ذلك فساد كبير وخروج عن مقصد الشارع."57
*: معرفة أسباب التنزيل ومقتضيات الأحوال.
*: معرفة علم القراءات والناسخ والمنسوخ وقواعد أصول الفقه التي تتحدث عن المبين والمؤول والمقيد والمتشابه والظاهر والعام والمطلق ...
4- قاعدة تماسك النص واتساقه وانسجامه.
بناء على هذه القاعدة يرى الشاطبي أن الخطاب القرآني متعالق الأجزاء، مترابطها يدور حول محاور محددة، فإذا أوهمت بعض الآيات بالتعارض أو التقابل أو بالتناقض فان ما أوهمت به ليس بالتعارض ولا بالتناقض، إذ يمكن ترجيح الأدلة العامة على الخاصة، أو أحد النقيضين على الآخر، فمدار الغلط وسوء فهم الشريعة إنما هو ناتج عن " الجهل بمقاصد الشرع وعدم ضم أطرافه بعضها ببعض، فان مآخذ الأدلة عن الأئمة الراسخين، إنما هو على أن تؤخذ الشريعة كالصورة الواحدة بحسب ما ثبت من كلياتها وجزئياتها المرتبة عليها وعامها المترتب على خاصها، أو مطلقها المحمول على مقيدها، ومجملها المفسر ببينها إلى ما سوى ذلك من مناحيها، فإذا حصل للناظر من جملتها حكم من الأحكام، فذلك الذي نظمت به حين استنبطت."58
ويشبه أبو إسحاق الشاطبي انسجام الخطاب القرآني بالإنسان الصحيح السوي قائلا: " فكأن الإنسان لا يكون إنسانا حتى يستنطق، فلا ينطق باليد وحدها ولا بالرجل وحدها ولا بالرأس وحده ولا باللسان وحده، بل بجملته التي سمي لها إنسانا، كذلك الشريعة لا يطلب منها الحكم على حقيقة الاستنباط إلا بجملتها،لا من دليل منها أي دليل كان، وان ظهر لبادي الرأي نطق ذلك الدليل فإنما هو توهمي لا حقيقي، كاليد إذا استنطقت فإنما تنطق توهما لا حقيقة،من حيث علمت أنها يد إنسان لا من حيث هي إنسان لأنه محال."59
فالمؤول الراسخ شانه تصور الشريعة صورة واحدة، يخدم بعضها بعضا كأعضاء الإنسان إذا صورت صورة مثمرة، "وشان متبعي المتشابهات اخذ دليل ما أي دليل كان عفوا وأخذا أوليا وان كان ثم ما يعارضه من كلي أو جزئي، فكأن العضو الواحد لا يعطي في مفهوم أحكام الشريعة حكما حقيقيا فمتبعه متبع متشابه".60
إن المتأمل في كتابي الشاطبي الموافقات والاعتصام، يلاحظ أن الرجل يستعين ويوظف كذلك قواعد تاويلية كونية -كما سنلاحظ عن ابن رشد في المبحث الرابع -مبنية على أسس منطقية واستدلالية، وقواعد تأويل عربية، على أن تلك المبادئ والقواعد التي صاغها الشاطبي لا تعتبر قطعية وجامعة ومانعة، و إنما هي مبادئ تأطيرية، تضبط العملية التأويلية وتمنعها من الزيغ والانحراف، وعلى هذا الأساس قسم الشاطبي التأويل باعتباره عملية اجتهادية استدلالية في استنباط الأحكام إلى قسمين: تأويل صحيح، وتأويل فاسد. فأما الصحيح فما كان منضبطا للقوانين العربية غير مخالف لما عليه السلف، لأنه إن كان كذلك فهو الضلال بعينه،61 مثل تأويل النصوص تأويلا بعيدا أو باطلا، وأما الفاسد فهو كل تأويل مخالف لما عليه سلف الأمة وغير منضبط للقوانين المحددة سلفا.
هكذا اجتهد الشاطبي في أن يدافع عن اتساق النصوص القرآنية وانسجامها، وفي أن يقدم مبادئ وقواعد للتأويل، وفي أن يتحدث عما يؤول منها وما لا يؤول، وعمن يقوم بالتأويل وعمن يجوز له أن يطلع على التأويل وعمن لا يجوز له، وكل هذا المجهود الذي بدله أبو إسحاق الشاطبي في الموافقات والاعتصام يهدف "تعزيز وحدة الأمة ".62
وإذا كان الشاطبي من الراسخين في العلم وخواص العلماء، فانه يأخذ بقسط وافر من الفلسفة ويوظف التأويل، فقد وظف المنطق لبناء أحكام شرعية، ووظف التأويل لأنه يقرر بأن في القرآن ظاهرا وباطنا، أي ما يجب أن ينظر إلى ظاهره وما يجب أن يؤول حتى تدرك معانيه. يقول " لأن من فهم باطن ما خوطب به لم يحتل على أحكام الله حتى ينال منها بالتبديل والتغيير، ومن وقع مع مجرد الظاهر غير ملتفت إلى المعنى المقصود اقتحم هذه المتاهات البعيدة... وعلى الجملة فكل من زاغ ومال عن الصراط المستقيم فبمقدار ما فاته من باطن القرآن فهما وعلما، وكل من أصاب الحق وصادف الصواب فعلى مقدار ما حصل له من فهم باطنه."63
على سبيل الختم:
إن التأويل باعتباره آلية استدلالية لها قواعدها وشروطها، فهو مسؤول عن حركة مكونات النص، حركة منهجية منطقية، فلا تتحرك خطواتها خارج إطار القواعد والضوابط أو خلافا للشروط، فيؤدي الانفلات إلى الوقوع في الشطط، وفحوى هذه القواعد والضوابط تتلخص في جعل النص القرآني هو الذي يملي عملية التغير في نص قرآني آخر، فعلى أساس من توجيه الآية للآية الأخرى يمكن أحداث تغير في النص، فالتغير باعتباره نتاج المزاوجة بين الآيات؛ لابد أن يوجد في الكتاب ما يصادق عليه، وعلى الناتج المحصل ويشهد على سلامتهما، بمعنى ألا يكون هناك ما يناقض النتيجة المحصل عليها، فذلك هو الحاكم والضابط لأي تغير، وهو يكفل انسجام النص في مقدماته وما ينتج عنها.
لقد شخص الإسلام الضوابط التي ترتهن لها القراءة التأويلية، باعتبارها آلية لاعادة تشكيل بنية النص تشكيلا ذاتيا في عملية لتحريك مكوناته على المحاور الناسخة، فتكفل " تلك الضوابط للنص الصيرورة والتطور في بناءاته لامتدادات لا متناهية، وتحديث وجوهه لجعلها مستوعبة لتطورات العصر، دون أن تتجاوز بالنص دوره في تمثيل الحقيقة ودلالته عليها."64 لأن الله لا يقول إلا حقا، بل إن هذه الضوابط التي طرحها الإسلام، استهدف من ورائها كفالة أعلى درجة من الضبط للقرآن في إطار المضمون والأسلوب معا، لتحفظ له خواصه ومصداقيته على المستوى العلمي والمعرفي وعلى المستوى الأدبي والفني[/justify].

[right]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
tatamoun
عضو جد فعال
عضو جد فعال
avatar

عدد المساهمات : 676
نقاط : 1072
تاريخ التسجيل : 18/10/2010

مُساهمةموضوع: رد: اليات التأويل والاستدلال في الخطاب الأصولي   الأحد فبراير 20, 2011 5:22 am

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الرقبي رضوان
عضو جديد
avatar

عدد المساهمات : 26
نقاط : 68
تاريخ التسجيل : 30/01/2011

مُساهمةموضوع: رد: اليات التأويل والاستدلال في الخطاب الأصولي   الأحد فبراير 20, 2011 10:42 am

tatamoun كتب:
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
المنصوري
مراقبة عامة ومديرة الإشراف
مراقبة عامة ومديرة الإشراف
avatar

عدد المساهمات : 596
نقاط : 1243
تاريخ التسجيل : 29/10/2010

مُساهمةموضوع: رد: اليات التأويل والاستدلال في الخطاب الأصولي   الأحد مارس 20, 2011 2:30 am

بارك الله فيك على الموضوع القيم
دمت بالف ود
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
اليات التأويل والاستدلال في الخطاب الأصولي
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
واحة التواصل والإبداع :: الفئة الأولى :: واحة التربية والتعليم والتواصل :: منتدى الدراسات الأدبية والنقدية-
انتقل الى: