واحة التواصل والإبداع


منتديا ت واحة التواصل والإبداع
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الحداثة : المفهوم واانشاة والرواد

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المنصوري
مراقبة عامة ومديرة الإشراف
مراقبة عامة ومديرة الإشراف
avatar

عدد المساهمات : 596
نقاط : 1243
تاريخ التسجيل : 29/10/2010

مُساهمةموضوع: الحداثة : المفهوم واانشاة والرواد   السبت يناير 21, 2012 5:07 pm




السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

نحن نتابع الحداثة في تحولاتها التي لا تتوقف، ولكننا لا نتوصل أبدا الى القبض عليها.. الحداثة هي اللحظة ذاتها، انها ذلك الطائر الموجود في كل مكان ولا مكان، وعندما نريد ان نقبض عليه حيا فانه يفتح جناحيه ويطير متحولا الى قبضة من المقاطع والحروف".

(اوكتافيوباز، خطاب ستوكهولم لنيل جائزة نوبل، 1990).

كثر في السنوات الأخيرة استعمال كلمات:الحداثة، والحداثية، والتحديث، وأصبحت الخطابات والأدبيات السياسية بالخصوص، لا تكاد تخلو من هذه الكلمات، ولا فرق في ذلك بين التيارات السياسية، رغم الاختلاف الذي يصل حد التعارض في توجهاتها وأهدافها، ورغم التباين في ممارساتها وأساليب اشتغالها، ورغم عدم توفر بعضها على أي رصيد يضفي نوعا من المصداقية على خطابها الذي يستعمل الكلمات المذكورة بتهافت واضح في غالب الأحيان، مما يؤدي إلى الخلط والالتباس .
فما معنى الحداثة والحداثية والتحديث؟ هل هي مجرد كلمات لها معاني لغوية بسيطة، أم أنها ذات حمولة تاريخية وفلسفية تتجاوز المضمون اللغوي العادي؟ وهل تبقى سجينة أبدية وبكيفية مطلقة لتلك الحمولة، أم أنها تقبل التطويع والتكييف مع متغيرات الزمان والمكان؟ بالتوقف عند هذه التساؤلات يمكن تجاوز أي تعامل سطحي مع الحداثة، وإعطاء مدلول لأي موقف إيجابي أو سلبي لهذا التعامل
إنَّ مصطلح الحداثة بالغ الغرابة عند الغربيين، إذ يبدو عند رينيه ويليك مصطلحاً قديماً فارغاًأو هو مصطلح مطاط كما يرى روجر فاولر وقد تعددت الآراء حول طبيعته، بحيث دفعت مالكوم برادبري إلى تأكيد أن «هذه التسمية تحتوي على الكثير من ظلال المعنى الذي لا تنجح في استخدامه بصورة دقيقة »
ولقد تأثر تحديد هذا المصطلح بتصورات مفكري التنوير الذين يؤكدون على العقلانية العلمانية والتقدم المادي والديمقراطية، كما قد اسهم في تأسيس أصوله مفكرون تميزوا بتمردهم على الأسس التقليدية، وجعلوا كثيراً من اليقينيات محط تساؤل، مثل التصورات الدينية والاجتماعية والأخلاقية، ولعل أبرز هؤلاء : فردريك نيتشه، وكارل ماركس، وسيجموند فرويد ـ ولذا فإن الحداثة تنطوي على قدر كبير من الاختلاف الجذري مع الأسس التقليدية للثقافة والفن في الغرب
وتعبر الحداثة الغربية عن الفوضى الحضارية والفكرية التي عمت الحياة والتي جاءت بها الحرب العالمية الأولى ، كما أنها تعكس صورة القوى الاجتماعية التي كونتها، بمعنى أنها جزء من «عالم يتجدد بسرعة، عالم التمدن والتقدم الصناعي والتكنولوجي » ولذلك فإن المبدعين والرسامين قد «عكسوا في بياناتهم ومعارضهم ما بين 1909 - 1914 أهمية القوى والأشكال المستمدة من العالم المحكوم بالآلة والتكنولوجيا » ، وفي ضوء هذا فإن الحداثة ليست وليدة قطر بعينه، وإنما هي حركة « عالمية ولدتها قوى مختلفة بلغت ذراها في دول مختلفة وأزمان مختلفة، كان مكوثها في بعض الأقطار طويلا وفي بعضها الآخر مؤقتا، في بعض الأقطار أساءت الحداثة إلى تراثها الموروث كالتراث الرومانسي والفكتوري والواقعي والانطباعي ، وفي أقطار عدت نفسها تطوراً لذلك التراث»
وتميزت الحداثة الغربية بخصوصيتها الزمانية والمكانية من ناحية، وبطبيعة التيارات الفكرية والفنية التي تشتمل عليها، من ناحية ثانية، إذ تبدأ الحداثة ـ زمانيا ـ في أواخر القرن التاسع عشر، وتبلغ ذروتها في الربع الأول من القرن العشرين، وتمتد مكانيا من روسيا إلى الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية، وتضم مذاهب مختلفة في الفن والأدب كالمستقبلية والتصويرية والانطباعية والسريالية، ومن الملاحظ أن هذه المذاهب استخدمت مصطلحات أخرى غير مصطلح الحداثة تدل على إبداعها، فلقد استخدم إليوت مصطلح الصورية Imagism، وآثر أبولينيز مصطلح الشعر المحسوس أو المجسدconcrete poetry، في حين تبنى آخرون السريالية والتكعيبية وقد دفع هذا التمايز والتفاوت باحثا ـ صالح جواد الطعمة ـ إلى القول : إن الحداثة « ليست أحادية اللغة، وليست أحادية الأصل، وليست مرتبطة بمرحلة زمنية واحدة، بل متعددة اللغات، ومتعددة الأصول، ونتاج مراحل زمنية متداخلة »
وتثير الحداثة معضلات ماهيتها وتاريخيتها على السواء، فهي ليست مصطلحاً خاصاً بالنقد والأدب، ولكنها تشير إلى صيغ عديدة دالة على الحضارة والتقدم، فهي ابتداء، تدل على التغاير مع الأنماط السابقة، وتتمرد على خصائصها وسماتها، بمعنى أنها ليست « مفهوماً سوسيولوجياً، أو مفهوماً سياسياً، أو مفهوما تاريخيا يحصر المعنى وإنما هي صيغة مميزة للحضارة تعارض صيغة التقليد، أي أنها تعارض جميع الثقافات الأخرى السابقة أو التقليدية » ، وقد قاد هذا إلى توصيفات مرافقة لتحديد دلالتها مثل : الحداثة الأولية : Proto - Modernism والحداثة البدائية : Pala - Modernismوالحداثة الجديدة: New - Modernism وما بعد الحداثة : Post - Modernism
أما الدارسون العرب فإنهم يتفاوتون ـ أيضا ـ في تحديدهم لماهية الحداثة ووظيفتها.
 محمد عابد الجابري يرى أن الحداثة إذ تقوم على القطع الإرادي مع المهترئ المتآكل، والمتجاوز من منتوجات ومقومات وقيم الماضي، فإنها تتأسس في الوقت نفسه على ما هو منها قليل للتجديد والتجدد، والاستمرارية والتفاعل الإيجابي مع عناصر ومفاعيل التغير والتبدل، مشكلة بذلك استيعابا نقديا واعيا لهذه العناصر والتراكمات، وتجاوزا لها في نفس الوقت، وذلك في إطار سيرورة جدلية ديناميكية تبادلية متواصلة بين القديم والجديد، الماضي والحاضر والمستقبل، ديناميكية تنتج فيها الحداثة عبر توالي وتطور لحظاتها، وتواريخها الخاصة، وتفرز فيها قيمها وثقافتها المتميزة المشعة، فتتأصل وتمتلك شرعية وجودها وانتمائها التاريخي ؛ ويرى الجابري أن التأصيل للحداثة في الثقافة العربية لا يتيسر إلا بتحديث التعامل مع التراث، وليس بإعلان القطيعة التامة معه، ويؤكد على ضرورة تجاوز«الفهم التراثي للتراث، وهو الفهم الذي يأخذ أقوال الأقدمين كما هي، سواء تلك التي يعبرون فيها عن آرائهم الخاصة، أو التي يروون من خلالها أقوال من سبقوهم» ويعتبر أن الطابع العام لهذا المنهج هو الاستنساخ والانخراط في إشكاليات المقروء والاستسلام لها، وبالتالي فإنه لابد من رؤية جديدة عصرية للتراث تنف »قراءة تراثية للتـراث«، وذلك لاجتناب » قـراءة تراثية للعصر« .
ويفسر الجابري تأكيده على الربط بين الحداثة والتراث بكون الحداثة الغربية المنشأ تبقى بالرغم من ادعائها العالمية منتظمة في التاريخ الثقافي الأوروبي، وبالتالي فهي »لا تستطيع الدخول في حوار نقدي تمردي مع معطيات الثقافة العربية، لكونها لا تنتظم في تاريخها« وباعتبارها خارجة عن إطارها فهي »لا تستطيع أن تحاورها حوارا يحرك فيها الحركة من داخل « وطريقنا إلى الحداثة يقول الجابري يجب أن ينطلق من الانتظام النقدي في الثقافة العربية نفسها لتحريك التغيير من الداخل .
 طه عبد الرحمان يختصر تعريف الحداثة بأنهاإبداع) كما سبق أن رأينا، والإبداع لا يمكن إلا أن يكون ناتجا عن الاجتهاد الذاتي، فكل مبدع حداثي، وكل مقلد غير حداثي، حتى وإن قلد الحداثة نفسها، لأن التقليد هو نقيض الحداثة ؛ وفيما يخص التراث يقول طه عبد الرحمان « لا نظن أن الاهتمام بالتراث هو اهتمام بماض لا فائدة من ورائه حتى نخشى على أنفسنا الاستغراق فيه بالقدر الذي يحجبنا عن الاهتمام بالحاضر » ويرى أن من يدعو باسم الحداثة «إلى الكف عن الرجوع إلى التراث، وإلى الأخذ بالمعرفة الحديثة كما جاء بها الغرب، فإن دعوته لا تعدو كونها تستبدل مكان الانشغال بالتراث الأصلي، الانشغال بتراث أجنبي » ، وبذلك يؤكد طه عبد الرحمان موقفه الرافض لتقليد الغرب في مرجعيته وفي واقعه الحداثي، ودعوته إلى حداثة تقوم على الاجتهاد والإبداع انطلاقا من الجذور الثقافية للعالم العربي والإسلامي، دون أن يعني ذلك الانغلاق داخل تلك الجذور.
 محمد أركون يرى أنه لابد أن يكون »الانطلاق من نقطة الحداثة وليس من نقطة الماضي أو التراث، ينبغي علينا تهذيب نفوسنا وتدريبها على أن تتصرف بطريقة متسامحة ومنفتحة ومرنة، وأن نقبل شيئا أساسيا يعتبر من منجزات الحداثة العقلية ألا وهو نسبية الحقيقة، الأمر الذي يتعارض جذريا مع مطلق الحقيقة، أو الاعتقاد بوجود الحقيقة المطلقة كما ساد سابقا في كل الأوساط الدينية« ، وبذلك تكون النتيجة التي يصل إليها محمد أركون هي القطع مع التراث الديني عموما، وحينما يشير للإسلام يقول إنه في لحظة انبثاقه التاريخية كان يمثل لحظة حداثة بالتأكيد، لأنه كان محطة تغيير وتحريك لعجلة التاريخ، والحداثة تعني بث الحيوية في التاريخ، أما اليوم فقد أصبح الإسلام نوعا من التراث ومن التقليد، ومن تراكم المعارف والمواقف الثقافية المكررة، وبالتالي لا يمكن لأي شخص عاقل أن يقول بأن الإسلام يمثل حاليا الحداثة .وهذا رأي لا يتوفر على مقومات الصمود أمام المناقشة، من جهة، لأن الإسلام عقيدة دينية، ولا يوضع في مقام النظريات الفلسفية التي تتغير وتتجدد مع تطور الإنسان، ومن جهة ثانية فإن القيم الأساسية التي انبنت عليها الحداثة في الغرب، كإعمال العقل، والاجتهاد، واعتماد العلم، والحرية، لا تتعارض مع القيم الإسلامية، بل هي من صميمها؛ ومن جهة ثالثة، فإن كل قطع مع الجذور، إذا لم يؤد إلى جفاف الفروع والأغصان، فهو لا يمكن أن يؤدي في أحسن الأحوال إلا إلى الاستلاب والتغريب.

ويختلط مفهوم الحداثة بدلالة مصطلحات أخرى كالمعاصرة والتجديد، ويبدو عباس محمود العقاد أبرز من عني بدلالة الحداثة والمعاصرة في أوائل القرن العشرين، ويرفض ما توهمه الشعراء الاحيائيون من أن الحداثة تعني وصف المخترعات الحديثة في أشعارهم وآدابهم، ذلك أن الوصف فعل عقلي يسقط فيه الشاعر رؤاه الذهنية على سطح الأشياء الكائنة في الخارج ،ويتبنى العقاد التعبير عن تجربة انفعالية متخلقة في أعماق الشاعر، ولذلك تتحقق الحداثة « عندما يشعر الشاعر أن له شيئا يقوله، ويستحق هذا الشيء أن يقال ،وإن الشاعر الذي يصف الطائرة ليس بالضرورة شاعرا عصريا، والذي يصف الجمل ليس شاعرا قديما » .
ويحدد عز الدين إسماعيل موقفه في ضوء نـزعة وسطية تتجاوز نمطين متعارضين ومتباعدين : النظرة السطحية لمعنى العصرية التي يتحدث فيها الشاعر « عن مبتكرات عصره ومخترعاته، ظنا منه أنه بذلك يمثل عصره » أو « الدعوة المغالية التي تدعو إلى العصرية المطلقة والتي توشك أن تنفصل نهائيا عن التراث »،ويخلص من ذلك إلى أنه «ليس المجدد في الشعر إذن هو من عرف الطيارة والصاروخ وكتب عنهما، فهذه في الحقيقة محاولة عصرية ساذجة، فالشاعر قد يكون مجددا حتى عندما يتحدث عن الناقة والجمل » .
وتمايز خالدة سعيد بين الحداثة والتجديد لشمولية الأولى وخصوصية الثاني، لأن التجديد أحد مظاهر الحداثة ،بمعنى أن الجديد « هو إنتاج المختلف المتغير ... الجديد نجده في عصور مختلفة، لكنه لا يشير إلى الحداثة دائما » إن الاختلاف والتباين تحدد أن ماهية الجديد لتعبيره عن واقع مختلف متجدد، ولاستخدامه معايير تغاير الماضي ولا تنفيه أو تلغيه، أما الحداثة فإنها تتضمن الجدة وتتجاوزها في آن ولذلك فهي ترتبط «بالانـزياح المتسارع في المعارف وأنماط الإنتاج والعلاقات على نحو يستتبع صراعا مع المعتقدات ... ومع القيم التي تفرزها أنماط الإنتاج والعلاقات السائدة»وبقدر ما يؤكد هذا العلاقة الوثيقة بين الحداثة والتطور فإنه يشير إلى ارتباط التغير بأنماط إنتاجه وعلاقاته بها، بحيث يتبدى العلاقة الجدلية بين المعرفة والبنية التحتية في ضوء تجلياتها الماركسية المعروفة، إذ ليست الحداثة مقترنة بمظاهر شكلية كالوزن والقافية، أو قصيدة النثر، أو أنظمة القص والسرد، وإنما تتجاوز ذلك إلى « ثورة فكرية »، بمعنى أنها «لا تنفصل عن ظهور الأفكار والنـزوعات التاريخية التطورية وتقدم المناهج التحليلية التجريبية، وهي تتبلور في اتجاه تعريف جديد للإنسان عبر تحديد جديد لعلاقته بالكون . إنها إعادة نظر شاملة في منظومة المفهومات والنظام المعرفي، أو ما يكون صورة العالم في وعي الإنسان، ومن ثم يمكن أن يقال إنها إعادة نظر في المراجع والأدوات والقيم والمعايير » .
ويصدق هذا الوصف على الحضارة الغربية لأنه من المستبعد أن يكون المجتمع العربي قد شهد كل هذه التغيرات من أنساقه المعرفية المتطورة وثوراته الفكرية الهائلة، ولكن خالدة سعيد تصر على تطبيق ذلك على المجتمع العربي وإبداعاته الفنية، وترى إن الحداثة لا تولد فجأة، ولكنها تتناسل بسبب تراكم معرفي، وتنطلق من مرحلة إلى أخرى، على الرغم من تعارض المرحلية مع خروقات الحداثيين، إذن فالحداثة حركة فكرية شاملة انطلقت مع الرواد الأوائل مثل جبران خليل جبران وطه حسين، إذ يمثل فكرهما« قطيعة مع المرجعية الدينية والتراثية، كمعيار ومصدر وحيد للحقيقة، وأقام مرجعين بديلين : العقل والواقع التاريخي، وكلاهما إنساني، ومن ثم تطوري، فالحقيقة عند رائد كجبران أو طه حسين لا تلتمس بالنقل، بل تلتمس بالتأمل والاستبصار عند جبران، وبالبحث المنهجي العقلاني عند طه حسين »
وفي ضوء هذا تسهم المغايرة الجوهرية في تحديد ماهية الحداثة وخصائصها، وهي تعني ـ عند أدونيس ـ التغاير مع الماضي العربي والآخر الغربي في آن، وقد أكد ذلك بقولـه : « تقتضي الحداثة قطعا مع التأسلف والتمغرب » غير أن القطع مع الماضي ليس مطلقا، فلقد انتج الماضي أنماطا معرفية آنية وفقا لأنساق اجتماعية وتغيرات تاريخية معينة، فهي تعبر عن مرحلة ينتهي تأثيرها بمجرد انتهائها، وتختفي قيمها بزوال مسببها . كما قد انتج الماضي قيما إنسانية وأنماطا معرفية فاعلة ومتجددة، ولا ريب أن الأنماط المعرفية في الحالة الأولى تقيد تفكير الإنسان وتعيقه في صنع حاضره ومستقبله بفاعلية، وهذا يعني أن أدونيس لا يخرج على كل قيم الماضي وإنما يتمرد على « النظام السائد » في كل أنظمة المعارف والثقافة والفكر التي تمثل الماضي بمفهومه السلبي، ويتحدد موقفه في ضرورة تهديمها تماما، ولذا فالكتابة الإبداعية الحداثية هي التي « تمارس تهديما شاملا للنظام السائد وعلاقاته ـ أعني نظام الأفكار» ، ومن ثم فلا «لا تنشأ الحداثة مصالحة، وإنما تنشأ هجوما . تنشأ إذن، خرق ثقافي جذري وشامل، لما هو سائد »
أما المعاصرة فقد تدل على التزامن، وهو تحديد شكلي باقتران الحداثة بالزمن، ومن ثم تتجه العناية إلى زمانية الشاعر وليس إلى بنية النص، ويعي أدونيس ذلك تماما، لأن الحداثة ليست عصرية بزمنيتها وإنما الحداثة « خصيصة تكمن في بنيته ذاتها » ،ولم يقتصر الأمر على مجرد تجاوز الفهم الشكلي للمعاصرة وإنما ضرورة تجاوز المضامين العصرية إلى استحداث مضامين مختلفة، بمعنى تجاوز وصف إنجازات العصر وقضاياه، لأن الوصف ـ كما سبق أن أشرنا ـ يرتكز إلى رؤية تتكئ على مقاربات تقليدية، تماما كما فعل الشعراء الاحيائيون، ويضم إليهم أدونيس « بعض الشعراء باسم بعض النظرات المذهبية الأيديولوجية»
وإذا كانت المغايرة والمعاصرة يحددان للحداثة جانبا مهما من خصائصها وسماتها فإن التجريب يتمم للحداثة بنيتها العميقة، على الرغم من اتساقه بالانفتاح وعدم التحدد، ويشير أدونيس ـ بتشاؤم ـ إلى تجريب قصيدة النثر، إذ ترتكز قصيدة النثر على بناء داخلي يشتمل على مكونات الحداثة وفي ضرورة الفهم والتجاوز معا، ولذلك ينسجم هذا مع مقولات أدونيس عن الحداثة، وما يصدق عليها يصدق على قصيدة النثر أيضا، وان الحداثة تؤكد بإطلاق على أولية التعبير بمعنى أن « كيفية القول أكثر أهمية من الشيء المقول، وإن شعرية القصيدة أو فنيتها هي في بنيتها لا في وظيفتها » ، وبذلك يتم التأكيد على النص في ماهيته وفي بنائه الداخلي، ونسيجه اللغوي ومن ثم تقود الحداثة ـ وقصيدة النثر منها ـ إلى « تغيير في نظام الأشياء، وفي نظام النظر إليها »
إن الإبداع الحداثي ليس وجودا معلقا في فراغ، وإنما هو لبنة في بناء أشمل يتشكل ويتفاعل مع أنظمة معرفية متشابكة، ونتاج سياقات تاريخية واجتماعية معينة، وهذا يصدق على الحداثة العربية في التراث وعلى الحداثة المعاصرة في الغرب .
وتتكئ الحداثة في التراث العربي على أصول نظرية ومعرفية وفنية، وتتفاعل مع واقع بالغ الحركة والتغير والصيرورة، فهي جزء من بناء حداثي أوسع إذ تتأسس «على الصراع بين النظام القائم على السلفية والرغبة العاملة لتغيير هذا النظام » وتشتمل على تيارين ـ كما يحدد ذلك أدونيس : سياسي ـ فكري، وفني، ويتمثل الأول سياسيا في الحركات المناهضة للسلطة ـ الخوارج والزنج والقرامطة ـ وفكريا بالتصورات الاعتزالية والعقلانية الإلحادية والتصوف، ويهدف التيار السياسي /الفكري إلى نظام يوحد بين الناس، حاكمين ومحكومين، ويساوي بينهم اقتصاديا وسياسيا، ولا يمايز بينهم في جنس أو لون. أما التيار الفني فلقد ابطل القديم وتجاوزه، وتحول فيه الإبداع إلى جهد إنساني يمارس فيه الإنسان « عملية خلق العالم».
إن هذين التيارين لهما وجود حقيقي في الواقع الاجتماعي، وتمثله معارضة حقيقية قوية في زمن سلطة قمعية، ولهذه المعارضة ثقافتها المضادة المعززة بالقوة أحيانا، بمعنى أن الحداثة العربية في القرنين الثالث والرابع الهجريين لها أساسها الفكري والسياسي، ولها قاعدة اجتماعية واسعة تؤمن وتدافع عنها إلى حد استخدام القوة والعنف .
أما الحداثة الغربية فإنها وليدة تطور لتحولات وتبدلات سريعة من التقدم الصناعي والفني، أي أن التحولات الكائنة في أنظمة الحياة والواقع تعود بشكل أو بآخر لأحداث تغير في طبيعة الأدب وأنظمته وبنائه اللغوي، وهذا يعني أن الحداثة في الغرب تعبر عن أوجه التحول السريع التي حدثت في الواقع وسياقاته التاريخية، فالحداثة، والحالة هذه، «ابنة التقنية، وهي حركة تاريخية شاملة وليست مدرسة أو مذهبا أدبيا، وهي فن مديني لازمت فن القرن العشرين » ، وتنعكس آثارها على الأدب، ولذلك اتسمت القصائد بنأيها عن الخطابية والثرثرة والعفوية والطبع، وتميزت «بالاختزال والجسدية والشهوية والصناعة ».
وإذا كانت الحداثتان العربية في الماضي والغربية المعاصرة في الحاضر تعبران عن واقع اجتماعي معين، وتتفاعلان مع طبيعة السياقات التاريخية الخاصة فإن الحداثة العربية المعاصرة تعاني من أزمة انفصام حقيقي، ذلك أن الحداثيين العرب المعاصرين تعاملوا مع المنجزات الحداثية الغربية بوصفها لبنة مستقلة عن سياقاتها التاريخية والاجتماعية، ومنفصلة عن منظوماتها المعرفية، ولقد فطن إلى هذا أدونيس الذي أكد خطأ فهم العربي لحداثة الغرب، لأنه لم ينظر إليها في ضوء ارتباطها «العضوي بالحضارة الغربية بأسسها العقلانية» إن نظرة الحداثيين العرب قد اقتصرت على منجزات الإبداع الأدبي والفني «بوصفها أبنية وتوصيفات شكلية » دون وعي « الأسس النظرية والعقلانية الكامنة وراءها، ومن هنا غابت ... دلالتها العميقة في الكتابة والحياة على السواء » ، ولذلك فإن تأثر الحداثيين العرب سيقود حتما إلى فهم شكلي، لا يعي من الحداثة إلى جوانبها السطحية، أما البنية العميقة فلقد كانت غائبة أو مغيبة
وإذا كانت الحداثة العربية المعاصرة فهمت حداثة الآخر فهما سطحيا وشكليا، فإنها في الوقت نفسه مغتربة عن الواقع الاجتماعي العربي ومتعالية عليه، فلقد قدم الحداثيون العرب نصوصا تعكس واقعا مختلفا ومتغايرا، إذ كيف يتسنى وجود حداثة للشعر العربي ولا وجود لحداثة في العلم أو في المجتمع أو في الاقتصاد، ترى هل كان الأدب العربي الحديث يعبر حقا في إنجازاته الحداثية عن الفكر العربي والواقع العربي والمشكلات العربية، أم انه يعبر عن الآخر، إن الآخر ـ كما يقول أدونيس ـ « يقيم في عمق أعماقنا، فجميع ما نتداوله اليوم فكريا وحياتيا، يجيئنا من هذا الغرب، أما فيما يتصل بالناحية الحياتية فليس عندنا ما نحسن به حياتنا إلا ما نأخذه من الغرب، وكما أننا نعيش بوسائل ابتكرها الغرب، فإننا نفكر بـ » لغة « الغرب : نظريات، ومفهومات، ومناهج تفكير، ومذاهب أدبية ... الخ، ابتكرها هي أيضا، الغرب . الرأسمالية، الاشتراكية، الديموقراطية، الجمهورية، الليبرالية، الحرية، الماركسية، الشيوعية، القومية ...الخ / المنطق، الديالكتيك، العقلانية ... الخ / الواقعية، الرومانطيقية، الرمزية، السوريالية » .
وإذا كانت الحداثة الغربية تعكس « معارضة جدلية ثلاثية الأبعاد : معارضة للتراث، ومعارضة للثقافة البرجوازية بمبادئها العقلانية والنفعية، وتصورها لفكرة التقدم » فإن الحداثة العربية المعاصرة لم تشهد هذا كله ،ويصر أنصارها على أن هناك تطورا وتغيرا في الشعر العربي يضارع شعر الحداثة الأوربية ويماثله، على الرغم من أن المجتمع العربي لم يشهد تحولات تماثل التحولات الكائنة في الغرب « فليس في المجتمع العربي حداثة علمية . وحداثة التغيرات الثورية الاقتصادية، الاجتماعية، السياسية، هامشية لم تلامس البنى العميقة، لكن مع ذلك، وتلك هي المفارقة، هناك حداثة شعرية عربية، وتبدو هذه المفارقة كبيرة حين نلاحظ أن الحداثة الشعرية في المجتمع العربي تكاد تضارع في بعض وجوهها الحداثة الشعرية الغربية، ومن الطريف في هذا الصدد أن حداثة العلم متقدمة على حداثة الشعر، بينما نرى، على العكس ،أن حداثة الشعر في المجتمع العربي متقدمة على الحداثة العلمية ـ الثورية » .
ولا تعاني الحداثة العربية المعاصرة من انفصامها عن الواقع فحسب، وإنما تعاني من عدم التحامها عضويا بالبناء المعرفي للثقافة العربية، فهي لا تنمو بعافية في الواقع ولا تنبع من ذوات قلقة، فالحداثي العربي يعيش ـ كما يقول أدونيس « بعقل الآخر وأدواته وتذوقه » ، لأن النظام المعرفي للثقافة العربية يحجم الحداثة ويحد من حريتها وتلقائيتها، إن الحداثة « حركة تقوم على قول ما لم يقل في هذا المجتمع على رؤية عوالم متحررة من جميع العوائق النظرية والعملية، في حرية تخيل كاملة، وحرية تعبير كاملة، ويتعذر ذلك دون تجاوز النظام المعرفي السائد » ، وهذا صعب إن لم يكن مستحيلا في ظل الواقع الراهن، ولذا فإن الحداثة السائدة تمثل تهجينا في واقع مغترب، فهي«حداثة مهربة » كما يقول أدونيس « لأننا عندما نتكلم عليها إنما نتكلم على الآخر، متوهمين أن الآخر هو الذات» .
إن الحداثة العربية تعاني من أزمة انفصام حقيقي مع الآخر من ناحية، ومع السياقات التاريخية من ناحية ثانية، وهي في الوقت نفسه حداثة مجموعة من المثقفين، أو الانتلنجسيا بالمفهوم الغربي، يتحاورون ويتناقشون بعيدا عن الشارع العربي، بمعنى أنهم لا يعبرون عنه ولا يؤثرون فيه، ويرى محمد عابد الجابري أن هذه الصفوة « فئة قليلة جدا، وغير مؤثرة التأثير الكافي في واقعنا الثقافي . إن الكتاب الذي يصدر بيننا ويؤلفه واحد منا نتداوله فيما بيننا نحن فقط، ولا يوزع منه إلا حوالي ستة آلاف نسخة فقط في شعب يزيد على مائة وخمسون مليونا .
إن الذين يؤثرون في الواقع الاجتماعي أولئك السلفيون الذين يصوغون الحاضر في ضوء نمطية الماضي ومثاليته وثبات آلياته وأفكاره، وهذا يعني أنهم يعيدون إنتاج الماضي في الحاضر، واجترار لكل أشكاله المألوفة ، ومن ثم لا يمثل ما يقدمونه إضافة معرفية جديدة ،وإنما إنتاج ما تم إنتاجه، شرحا، أو تلخيصا، إن لم يكن تشويها . إن المثال الذي يسعى إليه هؤلاء لا يتحقق وجوده في الحاضر والمستقبل بفعل الجهد الإنساني، وإنما هو قار في الماضي، ومن ثم فإن التقدم عند هؤلاء ليس في « السير نحو المستقبل وإنما هو في العودة إلى الماضي . مثلها الأعلى نظريا هو الإيمان المطلق بكمال الماضي، وهو عمليا الخضوع للمؤسسات السياسية أو الدينية أو الاجتماعية التي تمثله» .
إن هناك تطابقا في الرؤية والسلوك بين جماهير الأمة والمؤثرين فيها من أصحاب النـزعات الماضوية والسلفية، وهذا يعني أن التغير الذي نراه على هذه الجماهير إنما هو تغير شكلي وسطحي، ولأن جمهورنا ـ كما يقول أدونيس ـ « لم يبدأ حتى الآن ثورته العقلية » ،إذن ليس المعول عليه ارتداء البدلة الإفرنجية وركوب السيارة والطائرة، ولا حتى استخدام الحاسوب والانترنيت ـ وإنما المعول عليه هو الفعل الذي تؤديه هذه الجماهير حقا، فهل تجد الجماهير ـ في زمن الإحباط ـ وجودها الذهني والمعرفي في تلك النمطية الثابتة في الماضي، أو أنها تتبنى مفاهيم الحداثيين، الفئة القليلة، التي تتحاور وتتناقش في معضلات ومشكلات لا تفهمها هذه الجماهير، ولا تعيرها اهتماما، تلك إذن هي المعضلة.



الهوامش
See : Fowler , roger ,modern critical terms , routiodge & kegan paul , london, 1987 ,p 152.
مالكوم برادبري، الحداثة، ترجمة مؤيد فوزي حسين ،مركز الإنماء الحضاري، حلب ،1995، 1/22
See: Abrams , M.H, A Glossary Of Literary Terms , Holt Rinehart,1985 p 108 -109 وينظر : مالكوم برادبري، الحداثة ( مصدر سابق ) ومارشال بيرمان، حداثة التخلف، ترجمة فاضل جكتر ،دار كنعان للدراسات والنشر، دمشق، 1993، ص 40 .
ينظر : مالكوم برادبري، الحداثة، 1/27
نفسه، 1 / 59 .جبرا إبراهيم جبرا، ندوة العدد « الحداثة في الشعر »، مجلة فصول العدد : 1 / 1982، ص 264.
صالح جواد الطعمة، الشاعر العربي المعاصر ... ص 31 .
ـ محمد برادة، اعتبارات نظرية لتحديد مفهوم الحداثة، م فصول ،ع 3 1984 ص 12
محمد عابد الجابري، نحن والتراث، قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي، المركز الثقافي العربي، ط 4، 1985محمد عابد الجابري، التراث والحداثة، المركز التقافي العربي، ط 1، ص 18و26 و50
طه عبد الرحمان، م.س. وكذلك المفهوم والتأثيل، فقه الفلسفة، المركز الثقافي العربي الدار البيضاء، ط 1 ، 1999، ص 12.
طه عبد الرحمان، حوارات حول المستقبل، منشورات الزمن، العدد 13، ص 12
محمد أركون، الإسلام والحداثة، ندوة مواقف، دار الساقي، ط1 ص 362 نفسه
حمادي صمود، ندوة العدد، « الحداثة في الشعر» مجلة فصول، العدد : 1 / 1982، ص 265 . ويرجع بعض هذا الفهم إلى تحديد علاقة الحداثة بالأصالة التي لها دلالتان : فهي تعني العودة إلى الجذور التراثية، كما يفهما السلفيون العرب، وتعني الصلة الوثيقة بالذات، وما ينبع عنها، كما يفهمها الأوربيون والحداثيون العرب
لم يميز عدد من الباحثين بين المصطلحين في أثناء تعريبهما، ينظر على سبيل المثال : مالكوم برابردري، الحداثة، 1 /22، وما بعدها، وبيتر بروكر، الحاثة وما بعد الحداثة ،ترجمة عبد الوهاب علوب، ومراجعة جابر عصفور،
عز الدين إسماعيل، الشعر العربي المعاصر، دار الفكر العربي، القاهرة، ص 10 خالدة سعيد، الملامح الفكرية للحداثة ،مجلة فصول ،ع 3 / 1984 ص 25 .
نفسه ص 26
نفسه ،ص 27
أدونيس فاتحة لنهايات القرن، ص 315
ينظر أدونيس زمن ا لشعر، ص 314، وما بعدها، ويرى محمد عابد الجابري : أن الحداثة « لا تعني رفض التراث ولا القطيعة مع الماضي بقدر ما تعني الارتفاع بطريقة التعامل مع التراث إلى مستوى ما نسميه «المعاصرة »، أعني مواكبة التقدم الحاصل على الصعيد العالمي »، التراث والحداثة، ص 15 ـ 16
أدونيس، زمن الشعر، ص 315
أدونيس، فاتحة لنهايات القرن ،ص314
نفسه، ص 316

حفصة المجدقي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الحداثة : المفهوم واانشاة والرواد
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
واحة التواصل والإبداع :: الفئة الأولى :: واحة الشأن العام و الفكر والثقافة والعلوم :: منتدى الثقافة والفنون-
انتقل الى: